نشأة الاستشراق ودوافعه
![]() |
| تاريخ الاستشراق |
مفهوم الإستشراق، مفهوم ملأ الصّحف والمجلاّت، وشغل المفكرين والخطباء، وخاصة عندما يرتبط بالغزو الفكري والثّقافي الذي يترك صدمة داخل الذّات الشّرقيّة، ويؤدي إلى جروح نرجيسيّة، قد تولد رد فعل قوي ضد هذه الحركة، وذلك من باب الإستغراب الذي سيكون منطلقه هو نفس منطلق الإستشراق، وهذا المنطلق هو المركزيّة والهيمنة والسيطرة. فما معنى الإستشراق ؟ وما موضوعه ؟ وما علاقته بالإستغراب ؟ وما أهميّة كل منهما في التّقريب أو التّوفيق بين الغرب والشّرق ؟.
الإستشراق - كما يوحي إليه المستشرق الألماني بارت - هو كلمة "مشتقة من كلمة شرق، وكلمة شرق تعني الشّمس، وعلى هذا يكون الإستشراق هو علم الشّرق أو علم عالم الشّرق"[1]، وهو علم يبحث عن مكامن القوة في الحضارة الشّرقيّة لإضعافها، وعن مكامن الضعف فيها للإنقضاض عليها، وهو إلى جانب الإستغراب يمثلان وجهان لعملة واحدة، إلا أن هناك تناقض واضح بينهما، فالإستشراق يعتمد الأنا الغربيّة لرؤيّة الآخر الشّرقي، أما الإستغراب فيعتمد الأنا الشّرقيّة لرؤيّة الآخر الغربي، وكل واحد يريد أن يثبت ذاته وكيانه على حساب الآخر، بهدف الهيمنة والسيطرة الثقافيّة والإجتماعيّة ..
وللإستشراق رجال مختصّون في دراسة المجتمعات الشّرقيّة، يطلق عليهم إسم المستشرقين، الذين كانوا من قبل عبارة عن رهبان، والمستشرق هو "كل من تجرد من أهل الغرب لدراسة بعض اللّغات الشّرقيّة، وتقصِّي آدابها طلبا لتعرف شأن أمّة أو أمم شرقيّة من حيث أخلاقها وعادتها وتاريخها ودياناتها أو علومها، وآدابها وغير ذلك من مقومات الأمم"[2].
- البداية الفعلية للإستشراق ودوافعه.
- الدافع الديني.
- الدافع السياسي الإستعماري.
- الدافع الإقتصادي.
- الدافع المعرفي.
البداية الفعلية للإستشراق ودوافعه
ليس هناك إتفاق ووحدة حول البداية الفعليّة والعلميّة للإستشراق، وليست له بداية منظّمة وحقيقيّة، بل هناك تضارب حول هذه المسألة فهناك من يعود بالإستشراق إلى الحضارة اليونانيّة مع طاليس، باعتباره أول من توجه إلى الشّرق، كما أنه هناك من عاد بالبداية الأولى إلى "بعثة محمد صلّى الله عليه وسلّم سنة 611 م، في مكّة المكرّمة، فعلم بها الغربيّون من خلال الوفود التي بعثها الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، فمثلت أمام قيصر ملك الروم تدعوه إلى الإسلام، حاملة معها كتاب النّبي صلّى الله عليه وسلّم الذي كان يحدد فيه العلاقة المتوخّاة بين الشّرق والغرب من خلال الرّغبة في إعتناق الإسلام ومناصرته"[3].
وإضافة إلى ذلك نجد من يذهب بهذه البداية إلى الحروب الصّليبيّة على اعتبارها البداية الحقيقيّة والفعليّة للإستشراق، وهناك من يجيء بها إلى "الحملة الفرنسيّة على مصر سنة 1798 م، حينما قدِم عدد كبير من العلماء في جميع فروع المعرفة مع نابليون الذي اصطحب معه مطبعة عربيّة ساعدت هؤلاء العلماء في القيام بأبحاث متعددة "[4] من داخل الثّقافة والحضارة العربيّة الإسلاميّة.
وهكذا، فليس هناك بداية محدّدة ومنظّمة للإستشراق، وبالتالي ليس هناك علم حتى "بمن هو أوّل غربي عُني بالدّراسات الشّرقيّة، ولا في أي وقت كان ذاك، ولكن المؤكد أن بعض الرّهبان الغربيّين قصدُوا الأندلس في إبّان عظمتها ومجدها وتثقّفوا في مدارسها وترجموا القرآن والكتب العربيّة إلى لغاتهم، وتتلمذوا على علماء المسلمين في مختلف العلوم وبخاصة في الفلسفة والطب والرياضيات ..."[5]، وهذا دليل على أن هناك إهتمام وإنبهار بالحضارة العربيّة في إحدى مراحلها، ومن هؤلاء الرّهبان هناك "الرّاهب الفرنسي جربرت jerbert الذي انتخب بابا لكنيسة روما عام 999 م، بعد تعلّمه في معاهد الأندلس وعودته إلى بلاده، وبطرس المحترم (1092-1156م) pierrele aénéré، وجيراردي كريمون (1144-1187 م) gérard de grémone"[6].
وإلى جانب هذه المحاولات الفرديّة، نجد محاولات أخرى كانت جماعيّة، وكانت أكثر تنظيما تتمثّل في البعثات الرسميّة الوافدة على الأندلس لدراسة اللّغة العربيّة، وتعلّم علومها مثل البعثة الفرنسيّة التي ترأستها الأميرة إليزابيت، والبعثة الإنجليزيّة التي ترأستها الأميرة دوبان، وقد عرفت هذه الفترة رواجا في ترجمة الكتب العربيّة إلى اللاّتينيّة، وتحت هذه الرّغبة الشّديدة في التّرجمة "أنشأ دون رايموندوا الأول رئيس أساقفة طليطلة مكتبة المترجمين سنة 1130 م، حيث تم بواسطته نقل أمهات كتب الرياضيات والفلك والطب والكيمياء والطبيعة والتّاريخ الطبيعي، وما وراء الطبيعة وعلم النفس والمنظق والسياسة، وفي هذه المرحلة أيضا تمت أول ترجمة للقرآن الكريم وكانت في سنة 1143 م، على يد راهب إنجليزي يُدعى هرمان"[7].
هذا الإهتمام الفكري بالمجتمع الإسلامي خاصة، جاء نتيجة الإنهزام العسكري في الحروب الصّليبيّة، بعد أن علموا بأن هناك قوّة لدى المسلمين تدفعهم إلى الصمود في الحرب وهي القوة الدّينيّة والفكريّة التي لا يمكن أن تهزم عن طريق السّلاح، وإنما عن طريق الفكر، وذلك ما عمِلوا عليه، حيث اطّلعوا على علومهم وتبصّروا في لغاتهم، فتمت المنادات في سنة 712 هـ على "إنشاء كرسي للعبريّة والعربيّة والسريانيّة في روما على نفقة الفاتيكان وفي باريس على نفقة ملك فرنسا، وفي أوكسفورد على نفقة ملك إنجلترا، وفي بولونيا على نفقة رجال الدّين فيها، وتم إنشاء الكراسي، ونشطت الدّراسات الإستشراقيّة، فدرست اللّغة العربيّة وعلوم المسلمين، وتُرجمت الكتب من اللّغة العربيّة إلى اللّغة اللاّتينيّة ترجمة علميّة وثيقة"[8].
إضافة إلى هذا قد عرف العالم المسيحي الغربي تفكّكا، أدّى به إلى إنقسام الكنائس إلى كاثوليكيّة وبروتستانتيّة، تتبادل العداء والعنف الذي لم يخلوا من إراقة الدّماء، وبالتّالي جاءت مرحلة الإصلاح الدّيني التي تعتبر حقبة مُحفِّزة لإنتشار الإستشراق، لأنه في هذه المرحلة بدأ "إتّصال الغرب النّصراني بالشّرق المسلم، إتّصالا إقتصاديّا، سواءا كان في كشف موارد الثّروة فيه، أم في إستغلالها ونقلها إلى الغرب في صورة تبادل تجاري أو في أي صورة أخرى"[9]، وفي القرن 18 م، بدأ "الغرب في إستعمار العالم الإسلامي والإستيلاء على ممتلكاته، فإذا بعدد من علماء الغرب، ينبغون في الإستشراق، ويصدرون لذلك المجلات في جميع الممالك العربيّة، ويغيرون على المخطوطات العربيّة في البلاد الإسلاميّة، فيشترونها من أصحابها الجهلة، أو يسرقونها من المكتبات العامة التي كانت في نهاية الفوضى، وينقلونها إلى بلادهم ومكتباتهم"[10]، وفي هذه اللّحظة وإلى غاية الحرب العالميّة الثانيّة كان الإستشراق أكثر تنظيما، فكان من الضروري أن يوجد رابط يجمع بين المستشرقين، "فعقد أوّل مؤتمر للمستشرقين في باريس عام 1873 م، وتتالى عقد المؤتمرات التي تُلقى فيها الدّراسات عن الشّرق وأديانه وحضارته، وما تزال تُعقد حتى هذه الأيام"[11]، ومن خلال هذه المؤسّسات يتم التّشاور والتّدارس حول خطط العمل وتنظيم الجهود من طرف المستشرقين للوصول إلى أعماق الشّرق الفكريّة والثّقافيّة والدّينيّة ... وذلك بإنفاق الأموال الطّائلة على هذه الحركة، وهو ما نلمسه من خلال زيادة عدد المجلات والكتب الإستشراقيّة.
وفي ظل التفاعلات التّاريخيّة في الغرب الأوروبي والأمريكي، والمعطيات السياسيّة ومستجدات العلوم الطبيعيّة والإنسانيّة، أصبح مفهوم الإستشراق يُعيد هياكله وأسسه ليتوارى مفهوم الإستشراق الكلاسيكي خلف مفهوم الإستشراق الجديد، فأصبح المستشرقين الكلاسيكيين بمثابة فقهاء لغة، لأنهم إنكبوا على دراسة لغات المجتمعات الشّرقيّة، أما مفهوم الإستشراق الجديد أو الإستغراب كمفهوم جديد للإستشراق، يعمل على دراسة الشّرق على أساس أنهم شعوب وثقافات وبلدان متعددة ومختلفة، في حين كان الشّرق في الإستشراق الكلاسيكي بمثابة كتلة واحدة ثابتة، فما يسري على ثقافة واحدة فهو يعُمُّ جميع الثّقافات الشّرقيّة، وهذا ما لم يبقى صالحا في الإستشراق الجديد الذي يعتمد المنهج الأنتربولوجي أحيانا والمنهج الفيلولوجي أحيانا أخرى، وهكذا عرف الإستشراق، تحولا جدريا إلى درجة أنه أصبح يُنظر إليه على أنه في أزمة، لكن الأمر ليس كذلك وإنما هو مجرد تحول من إستشراق إيديولوجي إستعماري إلى إستشراق علمي موضوعي.
وهكذا
نكون قد قدمنا بعض المعالم الكبرى في تاريخ الإستشراق، كحركة تهدف إلى الهيمنة،
وإبراز قوة الغرب على المجتمعات الشّرقيّة، عن طريق التبحر في لغاتها وتعلم علومها،
لإضعاف قواها، والإنقضاض على مكامن ضعفها، بهدف المركزيّة الحضاريّة.
لم تقم حركة الإستشراق عن طريق الصدفة وإنما
لها مجموعة من الدوافع منها.
1. الدافع الديني
كان الدين الإسلامي يمتاز بانتشار أكبر وبالتالي كان يهدد النصرانيّة الأوروبيّة بالزوال، فتوجه الرهبان النصارى إلى المجتمعات الإسلاميّة بدافع الكراهيّة للإسلام الذي يهدد كيان النصرانيّة "ليشوهوا محاسنه ويحرفوا حقائقه ليثبتوا لجماهرهم التي تخضع لزعامتهم الدّينيّة، أن الإسلام - وقد كان يومئذ الخصم الوحيد للمسيحيّة في نظر الغربيين - دين لا يستحق الإنتشار، وأن المسلمين قوم همج لصوص وسفاكوا دماء، يحُثُّهم دينهم على الملذات الجسديّة، ويبعدهم عن كل سمو روحي وخلقي"[12]، وقد ظلت هذه الروح العدائيّة لصيقة بالإستشراق طيلة حياته.
2. الدافع السياسي الإستعماري
بعد أن فشل أعداء الإسلام في الحروب الصّليبيّة، بدأوا في دراسة العالم الإسلامي بما فيه من عقيدة وأخلاق وثروات وعادات وتقاليد... وقد عملوا على إضعاف روح المقاومة وبث التّفرقة والوهن في صفوف المسلمين، وذلك عن طريق العديد من الوسائل "أهمها التشكيك بتراث المسلمين وحضارتهم وقيمهم وعاداتهم، والتبشير بحضارة الغرب الماديّة والإنفتاح عليها، وكذلك تفتيت وحدة المسلمين عن طريق إحياء مفاهيم جديدة تثير الفرقة والشقاق، وتذكي الحساسيّات الدّينيّة والطائفيّة"[13]، وهكذا، إلى أن فقد العرب والمسلمين الثقة في أنفسهم، وتخلوْ عن تقاليدهم وأهملوا علومهم وحضارتهم... وأصبحوا خاضعين للغرب عسكريّا وفكريّا وثقافيّا...
3. الدافع الاقتصادي
قد "رغبت الدول الأوروبيّة في تنشيط تجارتها مع دول الشّرق الإسلامي وتسويق منتجاتها، والبحث عن مواد خام لصناعاتها، فلزم الأمر القيام بالتعرف على الشّرق وطبيعته وجغرافيّة بلاده وعادات شعوبه ومعتقداتهم، وتوظيف هذه المعرفة بالشّرق فيما يخدم الهدف الإقتصادي"[14]، وهكذا فالهدف الأساسي هنا هو الإستيلاء على ثرواتها الطبيعيّة ومؤسساتها الإقتصاديّة، وقتل صناعاتها المحليّة، لجعل الشّرق مستهلك لما ينتجه الغرب.
4. الدافع المعرفي
هناك قلة قليلة من المستشرقين الذين توجهوا إلى الشّرق بدافع علمي معرفي، وهؤلاء انطلقوا إلى الشّرق بناء على أنه "إذا كانت أوروبا تريد النهوض الحضاري والعلمي فعليها بالتوجه إلى بواطن العلم، تدرس لغاته وآدابه وحضارته، وتكمن بواطن العلم في الحضارة الإسلاميّة، فأقبل المستشرقون على هذه الحضارة بنهم وشغف، وانطلق كثير منهم إلى آفاق بناءة إستفاد منها الشّرق والغرب على حد سواء"[15]، وبهذا المعنى يمكن القول بأن الإستشراق بدافعه العلمي لم يكن محدود المنفعة على الغرب، وإنما شمل حتى الشّرق، وذلك ما نجده واضحا في إحياء التّراث العلمي المفقود والمنسي من طرف الشّرقيّين أنفسهم، ولم يتم التعرف عليه إلاّ بفضل أعمال المستشرقين الذين إستعادوا مخطوطات وكتب مفقودة للشّرق.
كل هذه الدّوافع ودوافع أخرى ثانويّة كالدّوافع النفسيّة والتّاريخيّة وغيرها، كانت تهدف إلى الهيمنة على المجتمعات الشّرقيّة والسيطرة على مجالاتها الفكريّة، وبالتالي إحتلال المركزيّة وتحقيق الإستعلاء الذّاتي، الذي كان هو المحرك الأساسي للإستشراق مند الإنطلاقة الأولى، وهكذا حتى يصبح الغرب هو المصدر لكل المنتوجات الثقافيّة والعلميّة... وما الشّرق سوى مجرد مستورد ومستهلك لتلك المنتوجات، وبهذا المعنى فالإستشراق عبر تاريخه ما هو إلا صراع فكري ثقافي وسياسي ... لهيمنة الغرب على الشّرق.
================
[1] - محمد ماضى – الوحي
القرآني في المنظور الإستشراقي - دار
الدعوة للطبع والنشر – ط 1 .1996 م – ص13
.
[2] - نفس المرجع – ص 13
.
[3] - علي بن ابراهيم
النملة - كنه الإستشراق – بيسان للنشر والتوزيع والإعلام – ط.3 2011 م – ص 43.
[4] - محمد فتح الله
الزيادي - ظاهرة انتشار الاسلام - المنشأة العامة – ط 1 . 1983 م - ص 62.
[5] - مصطفى السباعي- الإستشراق
والمستشرقون- المكتب الإسلامي – ط 3. 1985 م –ص 13.
[6] - نفس المرجع – ص 14.
[7] - محمد فتح الله
الزيادي - ظاهرة انتشار الإسلام - مرجع سابق – ص 64.
[8] - علي بن ابراهيم
النملة - كنه الإستشراق – مرجع سابق – ص 54.
[9] - علي بن ابراهيم النملة – كنه الإستشراق –
مرجع سابق – ص 53.
[10] - مصطفى السباعي - الإستشراق
والمستشرقون - مرجع سابق – ص 14.
[11] - نفس المرجع – ص 15.
[12] - مصطفى السباعي - الإستشراق
والمستشرقون - مرجع سابق – ص 16.
[13] - محمد فتح الله
الزيادي – ظاهرة انتشار الإسلام – مرجع سابق – ص 82.
[14] - اسماعيل علي محمد -
الإستشراق بين الحقيقة والتضليل- الكلمة للنشر والتوزيع – ط 3 . 2000 م – ص 75.
[15] - علي بن ابراهيم النملة – كنه الإستشراق – مرجع سابق – ص 68-69.
